كذبٌ وآدعاءٌ هو الموت
فأنا لم أمت بعد
وأنا منذ أنْ ولدتني الهجيرةُ
ما زلتُ حيا
ولدتُ بخاصرةٍ في كهوف اليمنْ
قبل عشرين عاماً من البعثةِ النبوية
أذكر أنَي ولدتُ
وما زلتُ أذكرُ
كيف نصلّي
ونعبدُ آلهة من حجرْ
ونشد النذور على بابهم
ونغسلُ أحلامنا بالمطرْ
وأذكرُ أني درجتُ على تلكم الأرض
وعتّقتُ أدعيتي في الكهوف البعيدةِ
ثم آحتميتُ بما ظلَ من خيم الآلهة
غفوتُ على بابهم مطمئناً
شكمتُ الرؤى العابثات
وزجرتُ خطىً تائهة
سلامٌ على عدد الآلهة
ثلاثون عشرون
لا أتذكر
لكنَهم كثُرٌ طيبون
ثلاثون رباً ينامون في غرفةٍ واحدة
ثلاثون رباً على الأمم البائدة
ثلاثون رباً ولكنّنا أمّة واحدة
لم أمتْ بعد
كذبٌ وآدّعاءٌ هو الموت
فأنا لن أموت
ربما حين ينمو على جسدي
تعب السنواتْ
أتحول خلف الزمان
وخلف المكان
لهذا يقولون
هذا الفتى العربيُ القديم آختفى ثم مات
ولكننّي لن أموت
أتذّكر أنَي تركتُ اليمن
وأدركتُ وجه النبيِ بمكة
صافحتُه مرّتين
عطراً كان ذاك النبيُ
ويأخذ بالقلب قبل اليدين
ولكنَما يدُه الفارهة
كسرت أذرع الآلهة
ثم قال لنا
إنَما ربُكم واحدٌ واسمه الله
لم نكن نعرف الله إلّا قليلا
ولم نك نعرف إنَ الإله
الذي وحدَته القبائل شتَتها بعد حينٍ
فلم يبصروه ولم يعبدوه
ولم يعرفوا لرضاه سبيلا
وأبصرت كيف تجيء القبائل حافيةً
في الحروبْ
وكيف القصائدُ مبتلةً بصغار الذنوبْ
وكيف يمرُ بهم شاعرٌ
يترنَح من خمرةٍ في الصبوح
يجلدون قصائده بالشتائم
لكنَه شاعرٌ لا يتوبْ
لم أكن بعد أسلمتُ إلا قليلا
فما زال ربَي الذي كنتُ أعبدُه
في ضلوعي
اشكلّه مثلما أشتهي
وأدسُ بأسراره خمرتي ودموعي
وحين أعود مساءً إليه
مطمئناً أنام على قدميه
لم يكن غاضباً حين أسكر
أو شاكياً حين أغضب منه
فهو ربٌ بسيطٌ خجولٌ
لا يكلّف أبناءه رهقاً في عبادته
وليس له مسجدٌ وقبابٌ
وليس له في المعابد معبدْ
لم أكن بعد أسلمت إلا قليلا
ولكننَي لم أكن نافراً عنهم
سمرةٌ أكلتها الفيافي
وحزنٌ أصم
وحشدُ قصائد أحفظها مثل غيري
وأمثلةٌ جمّةٌ ومئاتُ الخطبْ
أيَ شيءٍ سيورثه أهلُنا البلغاءُ العربْ
غير هذا الكلام المعاد
وتلك البلاغة
ملفوفةً بالتعبْ
لم أكن بعدُ أسلمتُ إلا قليلا
ولكنّني لم أكن نافراً عنهمُ
أتذّكر أنّي دخلتُ مع الداخلين لمكة
يومَ أسموه فتحاً مبينا
ويومَ رأيتُ القبائل
تدخل في الدين
طائعة خائفة
كنتُ أسألُ
كيف استطاع الإله الوحيد
أنْ يروِض هذي القبائل بالكلمات
ويجمعَ في لحظةٍ خاطفة
العبيد مع الأمراء
والنسيم مع العاصفة
ولكنها لحظةٌ خاطفة
القصيدة بصوت الشاعر