القصائد ←

مدونة الرمل

من ديوان مدوّنات · ٢٠١٥ · النص من ملفات الشاعر

تقول بعض المدونات الدينية الشفاهية إنَ مَنْ مات ودُفن في وادي السلام سيبقى في قبره إنْ كان صالحاً ، وإنْ كان غير ذلك سيُبدَلُ جسده بجسد شخصٍ آخر يُؤتى به من أقصى الأرض

دافئاً كان وادي السلامْ
واسعاً كان قبرُ الفتى
أوّل الأمر
والمخدةُ رملٌ قديمٌ
ولكنَه ناعمٌ رمل وادي السلامْ
وكأنَّ الفتى نائمٌ فوق ريش النعامْ
أنزلوه ببطءٍ
لكي لا يفزَّ من النوم
وشوشوا للرمال السخيَّة
الاّ تعضَّ ملامحَه
وأهالوا على وجهه زمناً قاتماً
ودسّوا بأكفانهِ كيس أسئلةٍ
لاتنامْ
هاهمُ الآن
ينفضون الرمال التي علقت بأصابعهم
يرشّون ماءً من الورد
يشعلون البخورْ
ويعودون نحو منازلِهم خائفين من الموت
ثم ينسون صاحبهم
غافياً بين تلك القبورْ
ها أنا الآن وحدي
أصدقائي القريبون منّي
اختفوا
وصغاري الذين تعبتُ كثيراً عليهم
ينامون في أوَّل الليل
والمدينةُ تغفو
وتغفو شوارعُها الوادعة
وأنا بعدُ لم أتعوَّدْ
على النوم في الساعة التاسعة
تُرى أين أذهب يا رب
وأنا اعتدت أن أسهرَ الليل
أتنقل بين المقاهي
وأضحك في صخبٍ حافي القلب
حين ألمُّ المدينة في الأصدقاءْ
لا أُحب الهدوء
أحبُ النكات
وأعشق كالكحل كلَّ النساءْ
وقليلاً من الشاي بعد العشاءْ
أنامُ على صدر أمّي
وأضحكُ حين تقولُ كبرتَ
أقولُ لها
إنَّ طفلاً تسلّل في داخلي واختفى
كبر الناس من حولنا
غير أني بقيتُ أفتّش عن ذلك الطفل
وبقيتُ
بقيتُ
بقيتْ
كبر الناس في لحظةٍ
وأنا
مثل كل الصغار
نسيتْ
أين أذهب يا رب
توقعتُ أني سأسكن بيتاً كبيراً
ولكنَّ بيتي الجديد
بدا يصغرُ الآن
أسمعُ وقعَ المطر
وأسمع أقدامَ مَنْ رحلوا
خائفين من الليل
في المقبرة
الحياة الطويلة مرّت سريعاً
كبيتٍ من الشعر
في امرأةٍ لا تُحبْ
وتذكرتُ أني قرأتُ
لدرويش يوماً جداريةً
يتحدث عن موته
وتذكرتُ أيضاً وقلتُ
أهذا الذي كان درويش يحكي عليه؟
أهذا هو الموت يا رب؟
مرَّ مفاجأة
ولم أتهيأ لرحلتهِ المتعبة
وتذكرتُ أني وحيدٌ
فخفتُ
وأبصرتُ في لحظةٍ كلَّ شيٍٍ
وبللني الموتُ
حتى انتبهتُ
وحتى رأيت ملاكين
في آخر الليل
يحفران الترابْ
دخلا فجأةً
دون أن يطرقا أيَّ بابْ
فسألتُهما
من تُرى أنتما ؟
ضحكا من سؤالي كثيراً
وفي لحظةٍ
سكتا
فارتبكتُ
وحاولتُ أسألُ ثانيةً
غير أني بحثتُ عن الكلماتْ
في جميع اللغاتْ
لم أجد أيَ حرفٍ
يبلّل وجهَ السؤالْ
وكأني ولدتُ بلا لغةٍ
وبكيتُ بلا دمعةٍ
وجربتُ موتين في لحظة الاحتمالْ
سكت فجأةً
ثم قالا تعالْ
إلى أين أذهب يا رب
وكنتُ أظنُ بأنَي سأرتاحُ في سكني
تنقلتُ بين البيوت كثيراً
وكنتُ مللتُ التحول
مابين دارٍ ودارْ
لهذا استرحت كثيراً ببيتي الجديد
وقلتُ سأغفو طويلاً
فلن يكسرَ الصبيةُ العابثون
النوافذَ
أو يطرقوا البابَ كي يهربوا
أو يجرحوا وجه سدرتنا
بالحجار
وتذكرتُ أني سمعت حديث عجوزٍ
تقول لنا
إن مَنْ سوف يُدفن
قرب عليٍ
سيغفو طويلاً
لأنَ البيوت بجيرانها
يا صغارْ
وها انا جارك
يا سيدي يا علي
أسمعُ صوتَ أذانِك في الفجر
وهو يبللُ أرواحنا المتعبة
يتسللُ عبرَ القرى والبيوت القديمة
وأرى الناس تنهض من موتها
كلَ فجرٍ
وتركضُ مسرعةً للصلاة وراك
وحاولت أنْ أُشبه الناس في مشيهم
وأتبعهم كي أصلَي خلفك
فقد قال لي أحد الساكنين القدامى
جواري
بأنَ الصلاة ورائك
تُشبه ثوباً جديداً
يوزَع في ليلة العيد
للمتعبين اليتامى
ولكننَي كنتُ أمشي وأعثر
كنتُ أركضُ أركضُ أركضُ
لكنَني لم أصل
مسجدُ الكوفةِ المُشتهى
على بعد سجدة عشقٍ
ولكنني كنتُ أركض في الليل
أركضُ في الفجر
أركضُ قبل الأذان
أركضُ مابين روحٍ وروح
أركض فوق القبور
أصيحُ على مهلٍ يا علي انتظرني
لماذا المسافةُ تكبر ما بيننا؟
ولماذا المفارز تمنعني للوصول إليك؟
ولماذا أجوع وأعطش
والماء ملء يديك؟
صرختُ
فأسكتني حرسٌ فوق بابي
وثانيةً بللوا صرختي بالغيابِ
ففي أي كفٍ
سأنثر دمعي
وفي أي وجهٍ
أرشُ عتابي
أنا الموثق الان بين اثنتين
وحشتي واضطرابي
قمْ
قالها أحد الواقفين على القبر –
ولملمْ حقيبة موتك ثانيةً
لتغادرَ هذا المكان
لماذا؟
لأنَك بللّت هذي الرمال
بذنوبٍ ثقالْ
فارحل الآن عن رمل وادي السلامْ
صامتاً
حافياً
فالجميع نيامْ
وإياك أنْ توقظ الناس
من موتهم
فالجميع نيامْ