القصائد ←

عمره الماء

من ديوان عمره الماء · ٢٠٠٩ · النص من ملفات الشاعر

عندما مرَ عمرُه في الأغاني
نبت الفجر في ضفاف اللسانِ
وآشتهى الطينُ أنْ يغنِي خجولاً
والفتى مرَ من عيون الزمانِ
غازلاً قمحنا البريء نشيداً
وشباكاً تصيد طير الأماني
أيقظ النهر والنعاسُ على
الماء تدلَى فلملمته اليدانِ
ومشى كان خلفه النهرُ يمشي
والخطى تزرع الضفافَ الغواني
كان يمشي فتنبت الأرضُ ماءً
وحقولاً كأنَهن أوانِ
نخلةُ القلب ـ مذ رأتْه ــ أفاقت
بعد أنْ ملَ نومَها عاشقانِ
حفرا خصرها مواعيدَ ثملى
وهما تحت تمرها يقفانِ
قبلٌ حلوةٌ وتمرُ عناقٍ
سال بين الشفاهِ والأحضانِ
زمنٌ مرَ، نخلةُ القلب تنسى
أنَ في التمر عاشقاً متفاني
ومضى العمر، كلُ شيء تلاشى
غير أنَ المكان نفسُ المكانِ
فرمى الأفق مقلتين وقلباً
وبقايا حكايةٍ ودخانِ
وإذا القلب والعيون استقاما
في بلادٍ بهيئة الإنسانِ
منح الماء سرَه وتسامى
هو والشمس في اصطياد المعاني
يورق الصوت من صداه
ويمتدُ حريرُ الكلام في الأغصانِ
دافئاً كان صوتُه وهو يمشي
ينثر الصيف من خيوط الأذانِ
ولهذا تركت صمتي وصوتي
خلف بابي، فالصوت صوتٌ ثانِ
وأبحتُ المساء موَال قمحٍ
للفتى القادمِ الذي لا يراني
ومضى العمر، كلُ شيءٍ تلاشى
ويظلُ المكانُ نفسَ المكانِ
فيجيء الفتى الذي في الوصايا
وهو يجتاح كرنفال الدخان
وهو يمتدُ موغلاً في المرايا
يزرع الماء في شفاه الثواني
وهو ذاك القديم خمسون قرناً
الحضارات والصدى شاهدانِ
عمره عمرُ كل ذرة رملٍ
في تراب الضمير ظلَت تعاني
عمره الماء كلَما جفَ فجرٌ
سوف يأتي وعمرُه الرافدانِ
يا بقايا حضارتي ونخيلي
أنت باقٍ وماءُ غيرك فانِ
الفتى سوف يرتقي ويغنَي
بعد أنْ مرَ عمرُه في الأغاني

بغداد ٢٠٠١