قصيدةٌ مهداةٌ إلى آخر شخصٍ في هذا العالم، إلى «آدم الأخير»
ما الذي يفعلُه آدمُ في هذا الفراغِ المرِ؟
ماذا يسمعُ الآنَ؟
ومنْ يسمعُه في لحظةِ الغيبِ النهائيِ
وعن ماذا يقولُ؟
هدأ العالمُ من ضجِته الكبرى
وفزَتْ بين عينيه الطلولُ
آدمُ المنسيُ في خاصرةِ الوقتِ
وحيداً كالبدايات
ومنسيِاً كبيتٍ لم يُقل يوماً
وملقىً في تراب العمر
عافته الخيولُ
ما الذي يفعلُه آدمُ في هذا الفراغ المرِ
والناسُ جميعاً غادرتْ
أصحابُه انحازوا إلى التيهِ
وأغرتهم فراشاتُ الغيابِ الأبيضِ الفضيِ
فامتدوا مع السحرِ وغابوا
هدأ العالمُ وانسابَ من الغيبِ الضبابُ
كلُ ما في هذه الأرض
سؤالاً تائهاً يبقى
وبلداناً يغطيها الترابُ
آدم الناجي من الموت
وحيداً يسألُ البحرَ
ويُلقي للبنايات عصاه
وحدَه يمشي
فلا حراسَ في الأرض
ولا طيفاً يراه
آدمٌ يملك هذا الكون
هل آدمُ منسيٌ على خاصرة الوقت
أجبني يا إلهي
أم تُرى آدمُ في التيه إلهُ
لم يكن يركلُ هذي الكرةَ الأرضيةَ الآن سواه
آدمٌ يخرجُ من بيتٍ لبيتْ
آدمٌ تدنو له الأرضُ
البناياتُ
البيوتُ
القممُ العاليةُ
النبعُ
البحيراتُ
السفوحُ
وحده يملُكها الآن
وينساها جميعاً
آدمُ الآن وريثُ الأرض
لا يشركُه شيءٌ
ولا تفهمُ منفاه الشروحُ
ضيَعته المدنُ الخرساءُ
واغتالت أغانيه الفتوحُ
آدمٌ يملكُ بلداناً
ولا يفهمُ ما معنى بلدْ
الحدودُ ارتبكت في كفِه
وتلاشى حرسٌ في رأسهِ مروا
فغنَى
ثمَّ غنَّى، ثمَّ غنَّى
فاتقدْ
وحدَه يصرخُ في ليلِ المحطاتِ استفيقوا
أيُها الناسُ القديمون استفيقوا
أيُها الموتى اسمعوني
واستفيقوا
ما الذي يفعلُه آدمُ
والناسُ من المعنى أُريقوا
لم يصدقْ
أنَ ما يجري على الناس جرى
لم يصدق ــ أوَل الأمر ــ الحقيقةْ
ربَما كانت دعابة
أنْ يموتَ الناسُ قبل الموت
ما إنْ يُدفنوا
حتَى يقوموا هازئين
لم يصدقْ
أنَ ما يجري جرى
ولهذا كتبَ النهرَ
قريباً من أغانيهم
ولكنَ القرى
أسلمتْ أشجارَها للموتِ
باعت سكَر الحزنِ
الذي يُؤكلُ يومياً
وباعتْ
فاشترى
آدمٌ ينظرُ في ساعتهِ الآن
آدمٌ ينظرُ في ساعتهِ الآن ويقلقْ
ما الذي يُقلقه الآنَ
وكلُ الوقتِ مفتوحٌ لديه
لا مواعيدَ لكي يذهبَ محموماً إليها
أو صديقاً ظلَ في زاويةِ المقهى
فعافَ الناسَ وانسلً إليه
ليس في نيِتهِ بيتٌ
إذا ما آنتصف الليلُ
سيختارُ سريراً
ثم ينقضُ مع النومِ عليه
آدمٌ يملكُ كلَ الوقت
لكنَ الزمانَ السائلَ الآنَ يجفُ
وعلى آدمِ أنْ يفهمَ
هذا الوقت
هل كان له يوماً
أمِ الوقتُ عليه
آدمٌ تجرحُه الوحشةُ
في هذا الفضاءِ الواسعِ الممتدِ
من أقصى المحيطاتِ
إلى آخر ظلٍ في الزمنْ
من تُرى يملكُ منْ؟
الفراغُ الموحشُ الممتدُ
أم آدمُ مَنْ يملكُ
لكنْ دون أنْ....؟
آدمٌ يرحلُ في التأريخِ
مبتلاً بأمطار الحكايات
وملتفاً
بقمصانِ النبييِن الصغارْ
لم يكنْ يُشبهُه في حيرةِ المنفى
وفي معنى الضياع المرِ
إلَا آدمُ الأولُ
ما قبلَ النهارْ
آدمٌ يسخرُ من حيرته الآن
ويستلقي على ظهرِ جدارْ
هل تُرى سوف يُعيد اللهُ
نفسَ اللحظةِ الأولى
ويُعطي آدمَ الأسماءَ
كي ينجحَ في الدرس
على كلِ الملائكْ...؟
أم تُرى آدمُ لا يعنيه
في هذا المتاه الغضِ
إلَا أنْ يرى
طيفاً لمقهاه القديمْ
أو يرى أطفالَه
يلهون في بيتٍ صغيرْ
لم يكن يؤلمُه شيءٌ
سوى ما يملك الآن
من الأرض
وآلآفِ الحدائقْ
تذبلُ الآنَ على بابِك يا آدمُ
أشكالُ اللغاتْ
أدمُ الوارثُ حزنَ الناسِ
والممتلكاتْ
آدمٌ جاع
فمنْ يُطعمُه الليلةَ زادا؟
من يغطِيه؟
ومن يهتفُ لبيك
إذا آدمُ نادى؟
آدمٌ يخرجُ من باريسَ أو روما
ومن كلِ العواصمْ
يزحفُ الآنَ إلى البحرِ
المحيطات
فما من غرقِ الوحشةِ عاصمْ
ربِ من أنت؟
وأين الآنَ ألقاك؟
وما في هذه الأكوانِ إلَاك
وهذا التائهُ
المرميُ في الخوفِ غريقا
كن ولو يوماً
لمن تأكلُه الوحشةُ ياربِ صديقا
حاولِ الآنَ
بأنْ تنزلَ للتائه
أو أنْ تأمرَ الريح
بأنْ أصعدَ ملهوفاً إليكْ
ربَما أغفو
ولو لحظةَ دفءٍ
في يديكْ
ثم أنسى
أنني وحدي
ولا أسمعُ إلَاك يناديني
ترجَلْ
هذه الوحشةَ يا آدمُ
لا تحزنْ
ولا خوفَ عليكْ
غيرَ أنَي خائفاً
يعبرُني الليلُ
ويذروني الصباحُ
ليس في كفيَ إلَا
حفنةُ العمر الذي تاه
وأصواتُ الذين
اختصروا الدرب
وراحوا
آدمٌ يحسدُ مَنْ ماتوا
فقد عافوا التفاصيل
التي تأكل في القلب
وما إنْ صافحوا الغيبَ استراحوا
آدمٌ يخرجُ من حيرتهِ الكبرى
ويمشي
لا عناوينَ لديه
أو فناراتٍ تدلِيه
ولكنْ كان يمشي
آدمٌ يتجهُ الآنَ إلى ضوءٍ بعيدْ
إنَه ضوءُ المحطَات
التي تهجرُها الناسُ
وأحزانُ القطاراتِ
التي ترحلُ ملأى بالفراغاتِ
وباللِيلِ الطويلْ
آدمٌ يفتحُ أبوابَ المحطَاتِ ويدخلْ
ولقد أغراه أنْ يركبَ مزهوَاً قطارا
وحدَه دارَ المفاتيحَ وسارا
ملأ الليلَ صفيراً ودوارا
علَ شخصاً
زارعاً في وجنةِ الليلِ انتظارا
ربَما تستيقظُ الآنَ القرى
من نومِها
أو تلبسُ الضحكةَ
أكتافُ الصحارى
آدمٌ سالَ به الريلُ
وعدَاه النهارا
ثمَ عدَاه دياراً
كذباً كنَا نسمِيها ديارا
آدمٌ دار على كلِ المحطَات
ولم يبصرْ سوى
ما تتركُ الحيرةُ في الروح
فألقى آخرَ الأسئلةِ الحيرى
وغطَى حزنَه البريَ في الليلِ
وحطَ الليلَ والوحشةَ في الكيسِ
والقى العالمَ التائهَ فوق الظهر
ما إنْ حملَ الكيسَ استدارا
آدمٌ تاهتْ عليهِ الأرضُ
لا يعرف إنْ سافر
أو ألقى الحمولات وعاد
وحدَه ظلَ على الأرضِ يدورُ
تائهاَ في آخرِ العمرِ يدورُ
أرَقته المدنُ الفارغةُ الآن
وأغرته على الموتِ القبورُ
الهدوءُ الناعمُ المنسابُ في الرملِ
وما يُمطرُه الغيبُ على الأرواحِ
حيثُ العالمُ المسكونُ بالدهشةِ
قد عانقه اثنان
غيابٌ وحضورُ
لم يكن يُزعجُهم شيءٌ
رقادٌ دائمُ الخضرة
لا يجرحُه الوقتُ
ولا يوقظُه إلَا النشورُ
ما الذي ينطره آدمُ
والموتى ينادون عليه
آدمُ استعجلْ
على الرغمِ من الوقتِ الذي لا وقتَ فيهِ
قد ملِلنا
رغمَ أنَ الرملَ لم يجرحْ
ولكنَا مللنا
أنبياءٌ كثُرٌ قد جاورونا
وصعاليكٌ عتاةُ
وملوكٌ عرفوا النومَ هنا
وافترش الرملَ طغاةُ
آدمُ استعجلْ
بماذا سوف تُغريك الحياةُ
لم يكن يسمعُهم آدمُ
لكنَ الطريقَ الآنَ للموتِ قصيرُ
آدمٌ طيرٌ
ولكنْ لا يطيرُ
آدمٌ لم يبصرِ التأريخَ
إلَا حجراً ملقىً أمامَه
كلهم صاحوا عليه
استعجلِ الآنَ
لقد أجَلتَ يا آدمُ ميعادَ القيامة
القصيدة بصوت الشاعر