القصائد ←

لم يصدْقه أحفاده

من ديوان آدم الأخير · ٢٠١٩

بعد خمسين عامْ
كان يحكي لأحفادهِ
عن خراب المدينةِ
كيف الجنود استباحوا شوارعَها
واطمأنوا إلى نوم صبيتها في الظلامْ
كان يحكي
ويبكي
يتذكر كيف الدروب اختفت تحت أقدام أبنائها
ثم يلعن صاحبه وينامْ
لم يصدْقه أحفاده
فمدينتهم كلها شجرٌ باذخٌ
وأغانٍ تنث مع الغيم قبل المطرْ
الشوارع مفتوحةٌ كلُ أزرارها
والمواعيد مبتلةٌ بالخدرْ
لا عطشٌ في القرى
لا بكاءَ على ميتين
لم يمرَ بأذهانهم أن يموت الشباب هنا
أو لماذا يموت الشبابْ
وليس بمعجم هذي المدينة
مفردة للغيابْ
ولم يعرفوا أن هذي المدينة كانت
وليمة موتٍ لكل البشرْ
لم يصدْقه أحفاده
إن هذي البلاد التي ترقص الآن فوق الأغاني
ويلبس شبانها الوقتَ
أو يرتدون الصبايا كما يشتهون
إنها قبل خمسين عامْ
كانت امرأةً من دخانٍ
ومن حسرةٍ لا تنام
صدقوني
لقد عبث الناس في حيِنا
أتذكر كيف نُساق إلى الحزن
ثم نعود لأنَ الطريق إلى الحزن كان طويلا
نعود ونغفو قليلا
ومن ثم نكمل رحلتنا كي نموت
بلاداً معطلةً
ودماً بارداً
وسؤالاً خجولا
أتذكر يا صبيتي
ــ آسفٌ ــ
قد أعكِر صفو المساء البهيِ
ولكنَني طاعنٌ في الحكايا
ومات جميع الشهود الذي اختفوا في الوجوه
وفي حزن أبنائنا في المرايا
الشهود الذين مضوا متعبين
ولم يبصروا
كيف تفتح هذي القرى صدرها
وتشر على زندها ضحكات الصبايا
وتغسل أيامها بالنعاس الشهيِ
وبالقبل الخاطفة
ليس في رأسي الآن الا البلاد التي انهزمت
ذات حرب
وقصت ضفائرَها أذرعُ العاصفة
تلك البلاد التي كنا نحاولها
قد أبدلتها الأغاني والأناشيدُ
لم يحفظوا من هواها البكر أغنيةً
ولم ينم في أقاصي فجرهم عيدُ
البيدُ دفترُهم حتَى إذا كتبوا
أعمارَهم، ودنت منهم مواعيدُ
رمتهمُ الريح، لا أعمارهم ثبتتْ
يوماً، ولا بيدُهم في الملتقى بيدُ
لم يصدْقه أحفاده
إنَ هذي المدينة يسرقها أهلها قبل خمسين عامْ
لم يصدْقه أحفاده
إن أجدادهم أكلوا ثديها في الظلامْ
إن أطفالها بحثوا في النهار
وفي الليل عن كسرةٍ للسلامْ
ثم ناموا جميعاً بوادي السلامْ
لم يصدْقه أحفاده
بأنَ العمائم كانت تبيع على الناس أحلى الكلامْ
وإن العمائم تسرقنا في النهار
وتدعو لنا بمزيد من الصبر
فالصبر فاكهة الفقراء الحزانى
به سوف نبدأ
ثم نسير
ونتقن بالصبر حسن الختامْ
ـــ عندما كنت اقرأ هذي القصيدة
وهي تلبط بعد بكفيْ
توقف منزعجاً صاحبي عند مفردةٍ
أفسدت لحظة الإنزياح البهيِ
قال لي
إنَ هذي العمائم تفسد شعرك ياصاحبي
لا تكن واضحاً
فسكتُ قليلاً وقلتُ
بماذا سأبدل هذي العمائم
أي مجازٍ يليق بحرماننا بين أنيابها
وأي استعارة
تُرى سوف تلبس ثوباً
تفصله فوق هذي العبارة
والنتيجة ياصاحبي
إنَنا كلُنا جملةٌ حاولتْ أنْ تكون مفيدة
ولكن من صاغها حاول الإنزياح بها
فكنا استعارة موتٍ
وجملة حزنٍ تحاول لكنها لا تُقالُ
فصرنا كما قال "درويش" يوماً
" الواقعي هو الخيال " ــ
هكذا قال جملته ثم نامْ
لم يصدْقه أحفادُه
بأنَ العمائم تسرقنا في النهار
وفي الليل تبكي
وتشهق ضارعةً بانتظار الإمامْ

بغداد ٢٦/٦/٢٠١٧