وريث الصراعات الزائفة
ما الذي تبقى لنا لكي نقوله بعد تهافت الستينيين، وموجتهم الصاخبة، وروحهم الحية، وكأن جيل الستينيات سنَّ سنةً للأجيال التي تليه في أنْ يوثقوا تجارب جيلهم الإبداعية الشعرية نثراً، بمعنى أنهم لم يكتفوا بالقصيدة حصاناً رابحاً في السباق، إنما بدأوا يأخذون مقاعد النقاد، ويتبادلون أدوارهم في أن ينظروا وينظِّروا لجيلهم الشعري، معبأين بصراخ الآيديولوجيا بعثيين وقوميين وشيوعيين ومستقلين، صارخين بكل ما أوتوا من عنفوان في أن يزيحوا جيل الريادة الذي سبقهم، ومن ثم يعلون شأن جيلهم، وبعد ذلك يوزعون وصفتهم الشعرية على صيدليات الأجيال التي تليهم، ليقولوا إن خارطتهم الشعرية هي الوحيدة الناجعة، وهي الوصفة الرئيسة والوحيدة لعلاج الشعرية العراقية من إدمان الرواد، وبعد ذلك يمارسون الإزاحة فيما بينهم، حيث يزيح بعضهم البعض الآخر، فالشيوعيون غير مقتنعين بالبعثيين، والبعثيون غير مقتنعين بالشيوعيين، وكل ينافح عن توجهه السياسي المغلف بالثقافي.
أقول لقد اختط الستينيون هذه الطريقة في الكتابة في أن يستعينوا بالنقد والكتابة عن جيلهم وهم في الحقيقة لم يكتبوا نقداً بما في هذه الكلمة من معنى جوهري، إنما كتبوا تفوهات نقدية كما يسميها "سامي مهدي" وكتبوا مانشيتات عريضة وصادمة في نفس الوقت، ومغلفة بالصراع الذي دار بينهم، ذلك إن الأوساط الثقافية حين تعود إلى تلك الكتب ـ على أهميتها ــ لن تنتفع منها الان إلا بوصفها وثيقة تاريخية لمرحلة من مراحل العراق، فهم معبأون بالجو العام، الجو الانقلابي السياسي، وطامحون للمسك بزمام القيادة الثقافية على غرار الانقلاب السياسي الذي حصل عليه البعثيون، لهذا انصبت مجمل تلك الكتابات على تلك الصراعات في زمنهم، ولم نستفد منهم كأجيال لاحقة إلا إصابات الشظايا التي تأتينا بسبب عراكهم غير الثقافي، ولكنهم حسناً فعلوا فقد سنَّوا هذه السنة في أن يكتب الشعراء أنفسهم كتابات عن جيلهم.
وعلى هذا النمط استمرَّ الشعراء وعلى مختلف الأجيال سبعينيين وثمانينيين وتسعينيين نافحين وناقدين تجارب جيلهم الشعرية، فظهرت كتب عديدة تخوض في هذا المجال، ولكني أيضاً غير مقتنع بالكثير من تلك الكتابات بوصف كاتبيها رموزا وفرساناً لأجيالهم، وحين يكتبون تكون شهادتهم مجروحة في الواقع، ولن يكتبوا الا ما يؤمنون به، ولن يؤمنوا بأي نموذج شعري الا النموذج الذي يكتبونه، وبهذا فإن حجم الإزاحات في تلك الكتب واسعٌ جداً، وغير موضوعي.
وحين أتحدث عن نفسي وعن جيلي أقول: إننا أيضاً لن نختلف عن تلك الأجيال التي سبقتنا، فقد أغرتنا كثيراً فكرة قيادة الجيل الشعري، وسكرنا بنشوة الصعود، لنكون فرسان جيل التسعينيات، وكأننا نفتح عمورية، والواقع إن هذه الخمرة التي نسكر فيها، هي خمرة مغشوشة سببها الجيل الستيني، الذي صدَّر مثل هذه الخمرة، لتسكر بها الأجيال اللاحقة، وهذا ما عبَّر عنه فيما بعد "فوزي كريم" في كتابه ثياب الامبراطور، فالقضية هي فعلا ثياب امبراطور عارٍ ولكن الناس تصفق له بجمال الثوب وفصاله، فيما كانت الروح الحية والموجة الصاخبة تدوران حول النصوص ولا تحللها، انما تهتم بالشخوص وتوجهاتهم، وتتابع تاريخ النصوص ونشرها وأسبقيتها في المجلات والصحف دون أن تؤشر نقدياً لحركة الحداثة في ذلك الوقت، واكتفت بتثبيت الأسبقية التاريخية والتي لا تخفي الصراع السياسي لإثبات الأحقية في قيادة الجيل الثقافي في ذلك الوقت، ما عدا الدكتور خالد علي مصطفى الذي كتب في آخر المطاف كتاباً أسماه "شعراء جيلي" وكان كتاباً توفيقياً لم يتعرض فيه الى الصراعات التي دارت، وأعتقد إن زمن كتابته للكتاب، حيث كتبه بعد 2003 هو الذي فرض عليه نمط تفكير مختلف في أن يكون كتابه توفيقياً، حيث جاء بعد كتاب الروح الحية لـ"فاضل العزاوي" والموجة الصاخبة لـ"سامي مهدي" وتهافت الستينيين لـ"فوزي كريم" ليأتي خالد علي مصطفى المعروف بصخبه وعنفوانه، ولكنَّه فاجأنا في كتابه شعراء جيلي بأنه كتاب هادئ لم يتعرض للصراعات الجيلية، ولا التلميحات السياسية التي حوتها الكتب السابقة.
بهذا النمط من التفكير تربَّى جيلنا التسعيني على هذه الأفكار الإزاحية أيضا، وهي متلوثة أو مهاجرة من عالم السياسة المغلق في زمننا، فنحن لم نعش مرحلة سياسية يصح أن نصفها بالسياسية، إنما حزب واحد متفرد حكم البلد، ومن ثم تحوَّل الحزب إلى عائلة، وما البعثيون القدامى والجدد إلا بيادق يحركهم أطفال قريبون من عائلة الرئيس، وبهذا فإننا كنا مغشوشين بخمرة فاسدة ونسكر بها من بعيد، لضعف تجارب جيلنا، الذي فتح عينيه أواسط عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث الحياة نحو أفولها المرير، والجوع والخوف بأعلى مناسيبه المريرة أيضاً.
البلد منهار في لحظتنا، سياسياً كان مغلقاً تماماً ومحاصراً، ولا يستطيع عبور حدوده، والرئيس الذي كان يحكم البلد بقبضةٍ حديديةٍ لا يستطيع أنْ يسافر إلى أية دولة قريبة أو بعيدة، بل وصل الحال به أن مُنع عليه دخول محافظات كوردستان العراق، بعد أن وضعت الأمم المتحددة خطوط الطول والعرض
فيما انسحبت الحياة الثقافية من اخضرارها إلى الذبول المريع، بعد أن وصل راتب المعلم ــ وهو القيمة الأعلى التي نملكها ــ إلى ما يعادل دولارين في الشهر، فانسحبت ملامح الحياة المعقولة التي حاولت سنوات السبعينيات أن تتزين بها، وبقي جزءٌ منها في الثمانينيات رغم الحرب العراقية الايرانية، إلا إن الحياة هذه قد أُجهِز عليها بالكامل في التسعينيات، يعني أننا قصصنا شريط شبابنا على حياة ممحلة زائفة، لا عمل لنا إلا ترديد الأناشيد الكاذبة، التي تهدد العالم بسحله كله، فيما كنا لا نستطيع أن نصل إلى أربيل.
بلا وعينا تسربت لأرواحنا وعقولنا ثقافة أن الآخر عدوٌ لك، ويجب ألَّا تثق به، ومن هذا المنطلق كان يكرهنا شعراء قصيدة النثر، ونحن ــ الذين كنا متمسكين بالعمود الشعري ــ نكرههم أيضا، فيما غاب الصوت الوسط، غابت قصيدة التفعيلة التي يُفترض أنْ تكون وسطية، نحن نعيش في بلد لا يعير اهتماما كبيراً للوسطية والاعتدال، وهذا نابع من ثقافات متراكمة على مد الزمان، فالوسطية ليست درساً تتعلمه أو حكاية تسمعها وتطبقها، إنما هي طريقة عيش تأتيك من خلال تراكم زمني تعيشه العوائل والمجتمعات، ليكون سياقاً متشرباً بسلوكها وثقافتها ووعيها، أقول هذا وأنا لستُ وسطياً في تلك الفترة، فقد كنتُ وأبناء جيلي في قمة الراديكالية والعنف، وكنَّا نتصور أننا الأحق في أنْ نمثل الجيل التسعيني في تلك الفترة، ولو رجعنا الآن لتلك المقولات لشبعنا من الضحك على كمية السخف الذي كنَّا نعاني منه، وعلى حجم الجهل الثقافي الذي كنَّا عليه، فعلى أي عظمةٍ كنَّا نتقاتل ونحن مجردون من الأسلحة؟ نحن الخارجين من المدارس التي هرب معلموها، وباعوا السكائر في الطرقات، والساكنين في بيوتٍ غادرتها أسباب الراحة كالكهرباء والتبريد البسيط، والدارسين في جامعات تحولت إلى ثكنات عسكرية، وتدريب دائم، فيما بدأت الكوادر المهمة والكفاءات تلملم ثيابها وتغادر البلد أملاً بعيشٍ كريم أو معقول حتى، فنحن للأسف لم نستطع أن نميز في تلك الفترة بين العيش الكريم أو المقبول أو الرديء، فقد بهتتْ الحياة كما بهتت ملابسنا في الجامعة، وليس لنا إلا صبغها وترقيعها.
رغم كل هذا الذبول والحياة الكارتونية التي نعيشها حيث كنا نتصارع ونختلف، ولا نتحاور، منطلقين ــ بلا وعينا ــ من أن الآخر المختلف هو عدو لنا، وبهذا تتقلص مساحة الحوار، وتتسع مساحات العنف الجرداء حتى لو كانت تلك المساحات في الروح، فهي نتيجة طبيعية لتصحر الأرواح وانطفاء لمعتها البراقة.
الثقافة العراقية ليست ثقافة تراكمية، هي ثقافة طفرات، وعلى الرغم من إن فيها طفرات مهمة ولافتة ومغرية، لكنَّها لا تشكل بناءً متكاملاً في نهاية الأيام والأزمنة، وثقافة الطفرات نابعة من روح العنف المستبدة في هذا البلد، البلد الذي لم يسترح طيلة سنواته القديمة والحديثة، ولم يقدم لأبنائه إلا مزيداً من الشعارات والأكفان والحروب المقدسة والداعرة، فيما ثقافته ذات بعد أحادي حاد وصارم ونابع من روح مستغرقة في داخلها كثيراً، دون أن تنظر للجوار، وتفتح له باباً أو نافذةً تطل عليه، لتتحاور أو تسلم عليه على الأقل، وهذا نابع من عدم الثقة بالآخر، حيث أنشأ أهلنا ونحن من بعدهم أسيجةً عاليةً للبيوت، وأبواباً أعلى، وكأننا في سجون، وهنا أتحدث عن الأغلبية التي تفكر بهذا النمط، أما الاستثناء فهم الذين يثبتون هذه الفرضية أو الفكرة.
الأبواب العالية، والأسيجة العالية، والبيوت الضيقة الخالية من الحدائق، والأصدقاء المتشابهون في الدين، والمحلة، والطائفة، وحتى في العشيرة، والطريق الوحيد الذي تسلكه وتعود منه، والمدرسة القريبة من بيتك، التي تجمع أشباهك، والمعلم المروَّض الذي يخشى من الحائط، والقراءات النمطية، وعدم رؤية مختلف عنك، كل ذلك يتراكم ليشكل غدة وورماً منتفخاً يصورك أنك شخصٌ مهم، وأنك تختلف عن الآخرين لأنك الأفضل دائماً، فدينك الأفضل، وفرقتك الفرقة الناجية، ولغتك أعظم لغة، وعائلتك أفضل العوائل، ومنطقتك أفضل من المناطق المجاورة، ومحافظتك التي ولدت فيها أعظم محافظة، وبلدك أعظم بلد، وبالنتيجة تتسرب كل هذه الثقافات لتصب بهذا الورم الذي يتضخم معك كلما تكبر، لتصنع منك في الأخير شخصاً مأزوماً شكَّاكا، يعيش الوهم فقط، الوهم الذي يقول له أنت الأهم والأعظم، ولكن في الحقيقة هو لا مهم ولا هم يحزنون، الأهمية التي يتصورها نابعة من أوهام العزلة ، فكلما انعزل الإنسان عن الآخرين كلما تصور نفسه عظيما.
بهذه الثقافة فتحنا أعيننا نحن أبناء الجيل التسعيني، ونحن نتصارع ما بين قصيدة الشعر وقصيدة النثر، ونحن نكرر صراعات الأجيال التقليدية، في أن نترك لنا موطئ قدم كبيرة تزيح أقدام أصدقائنا المختلفين معنا، وكذلك كان المختلفون معنا لا يقتنعون بنا، بوصفنا كائنات قادمة من خارج التاريخ، والواقع كنا نتصارع دون أن نقرأ لبعضنا، وبهذا فإننا حصدنا جهلاً مركباً، والكل يبني أحكامه على الكل دون أن يقرأ له شيئاً، أي شيء.
بعد مضي أكثر من خمسة وعشرين عاماً لهذا الجيل، جيلنا الذي يسمى بالجيل التسعيني الذي فتح عينيه في الحصار، وشبَّ وكبر في الاحتلال، وبدأ يمارس حياته الثقافية في أجواء الحرب شبه الأهلية، نعم هو هذا جيلنا الوارث لعقد الأجيال التي سبقته، والعاكس لنمط تفكير السلطة في فكرة الآخر العدو، حاله حال كل الأجيال الشعرية، بما فيهم أولئك الذين هاجروا من البلد مبكراً وعارضوا النظام السابق، الا انهم بقوا على نمط تفكير بثته السلطات على تعاقبها في أن الآخر المختلف هو عدو فاحذره، وبهذا فإن التراكم الثقافي يحدث فقط في النظرة العدوانية للآخر، فيما عدا ذلك فإنها خاضعة للحظ وللطفرات التي ذكرتها قبل قليل.
لا أريد أن أصنع بانوراما سوداوية للمرحلة التي كنَّا فيها، ولكني أكتب هنا شهادتي عن جيلي، فهذه الكلمات هي عتبة وشهادة لنزيف الذاكرة الذي مررنا فيه، والذي نطل الآن عليه من مكان أعلى، ونتذكر تفاصيلنا، فنضحك من حماقتنا، وبهذا فكلما طالت المسافة بين الحدث وتدوينه، فإن منطقة العقلانية تكون جيدة وواسعة وباب المراجعة يكون مفتوحاً على أوسعه، وربما تقع هذه المقالة او المراجعة في باب رؤية بعض صراعات جيلنا الشعري والثقافي.