وعابر الأزمنة
مرَّت مئة عام على ولادة رواد الشعر الحديث السياب والبياتي والحيدري وكأن هناك قدرا حتميا جعلهم يولدون في عام واحد وينطلقون برحابة في موسم واحد، وقد تقرأ ولادتهم وتربيتهم قراءة ثقافية ترتبط ببداية الدولة العراقية ونهضة التعليم في العراق، كما انها ترتبط بالنظام والحرب العالمية الثانية، حيث بدأت حركات التحرر العالمي تظهر بشكل جلي، وبدأت ملامح الأحزاب السياسية، والايديولجية، تشق طريقها للعلن، وتعلن عن نفسها كقوى بديلة للنظم الاستعمارية، وهناك بدأت تظهر ما يسمى بالحكومات الوطنية، التي تناهض الاستعمار، او انها جاءت بعد ما يسمى بحكومات الانتداب.
في هذه اللحظة المفصلية من حياة الناس ظهر هذا الجيل الذي ولد في عام واحد، ظهر ليقول: انه لا يشبه الآباء، وانه مختلف عنهم تماما، فمثلما أظهرت الاحزاب وحركات التحرر نيتها او قدرتها للتحررمن كل شيء، التحرر السياسي والاجتماعي او الديني، ولهذا فإن التحرر الشعري مثل وجهاً من وجوه تلك المرحلة فكانت حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة الذي مثلت فيما بعد موجة عظيمة من موجات الشعر العربي الحديث تناهض بها هضبات الشعر العربي في اوج اشتعالاته في العصر العباسي.
لا تكاد تخلو دراسة نقدية عن الشعر الحديث إلَّا وكان "الرواد" محورها الرئيس، فأي مجدٍ ممكن أنْ يحظى به الشاعر أكثر من هذا المجد في أنْ تبقى قصائده صالحة للتداول رغم تغير الأزمنة والأحوال.
إنَّ واحدةً من أجمل خصائص شعر "الرواد" أنَّه يكبر، أي إنَّ شعرهم يكبر مع القاريء شيئاً فشيئاً، بمعنى إنَّ القاريء البسيط الذي يقرأهم سيجد ضالته في بدايات السياب مثلا ورومانسيته، وغنائيته العالية.
يا ليتني قد صرتُ ديوانيلأفرَّ من صدرٍ إلى ثانِ
او البياتي في بداياته
لفي رفات الحب في طيات ثوبك والجناحواعمي جفون النور في خصلات شعرك في الصباح
وحتى قصيدة السياب التي افتتح فيها المشروع الحداثي ( هل كان حباً) هي قصيدة غنائية تنتمي في روحها للتجربة الكلاسيكية، وليست للتجربة الواقعية، أو الحداثية، وبمرور الوقت ونمو عقل القاريء، وتفتح مداركه، واتساع أفقه، سيجد في الوقت نفسه نصوصاً للسياب والبياتي والحيدري تلبَّي جوع القاريء الفكري، والمعرفي، والثقافي ( أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعث المطرْ/ وكيف تنشج المزاريب إذا انهمرْ/ وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع / بلا انتهاء كالدم المراق كالجياع/ كالحب كالميلاد كالموتى هو المطر)
أو البياتي في قمر شيراز
كل الفقراء اجتمعوا حول الحلاج وحول النارفي هذا الليل المسكون بحمى شيء ما قد ياتي او لا ياتيمن خلف الاسوار
او بلند الحيدري
لا تهابيهذه الريح التي تطرد من باب لبابوالدروبانها ملعب احلام شبابيلا تهابيلست الا هذه الريح التي تطرد من باب لبابلست الا ذلك الافق الذي ينمو برعب واضطراب
وبهذه الزاوية البسيطة يتحقق شيءٌ مهمٌ في شعر "الرواد" وهو أنَّه يكبر كلَّما كبر قارؤه، وأقصد بكبر القارئء، هو تمرين عقله على المعارف والثقافات، التي كلَّما هضمها كان متلقياً منتجاً وكأنَّه شريكٌ للرواد في كتابتهم، ولو بعد سنوات
وهنا نتساءل ما الذي يمكن أنْ نكتب عن "الرواد" بعد هذا الكم الهائل الذي كتب عنهم، نقداً وتحليلاً وتشريحاً واحتفاءً ؟ هل بقيت زوايا معتمة، لم يضئها النقد؟ أو لم يكتشفها النقاد الماهرون؟ بالتاكيد فإنَّ معظم مساحة "الرواد" الشعرية مرَّت عليها عربات النقد، وحرثت أرضها، وأتت أُكلها، في أنْ تصدِّرَ للعالم العربي هذه القامات الشعرية التي فتحت باب الحداثة عريضاً، ليدخل من بعدهم أفواج الشعراء، مضيفين لهذه التجربة المهمة الكثير من مفاصل الحداثة التي لم تطأها أقدامهم.
وأظنُّ إنَّ "السيَّاب" وجيله أصبحوا العقدة الأكثر والأكبر في الشعرية العربية، ذلك إنَّه رحل السياب مبكراً، وبنفس الوقت فإنه أنتج الكثير، وكأنَّه كان يستشعر الغياب المفاجىء، فتسابق مع الزمن، لينتج هذا "الكم النوعي" من الدواوين الشعرية، التي قطع اغلب الطريق فيها على معظم التجارب التي تحاول أنْ تخرج من عباءة الرواد، وكان من أكثر الشعراء عقدة للجيل "الستيني" الجيل الذي جاء بعد تجربة الرواد، وبالأخص لدى الشاعر والناقد "سامي مهدي" الذي دائماً ما كان يحاول أن يقدم "البيَّاتي" على السيَّاب شعرياً فيقول في كتابه "ذاكرة الشعر"(أكيد إنَّ المهم هنا ليس السبق في كتابة قصيدة تختلف أبياتها في عدد تفعيلاتها وتتنوع قوافيها، بل السبق في كتابة ما يصح وصفه بأنَّه شعر عربي حديث وفي هذا المضمار قد يكون البياتي أسبق منهم جميعا ) ويقدم نازك الملائكة نقدياً وثقافيا على السياب ايضا بقوله فيما كتبوه عن دواوينهم الاولى وتصوراتهم لما سيكون فيقول سامي عن نازك (أما الملائكة فبدا وعيها أعمق وطموحها أبعد ) وواضح ما عُرف به "سامي مهدي" من مواقف وقراءات، تميل في أغلبها نحو اعلاء شأن مجايلي السياب، ومحاولة اظهار السياب بثقافة بسيطة ومتدنية مقارنة بمجايليه، فيما يكتب فوزي كريم في كتابه المهم (شاعر الراية وشاعر المتاهة) حيث ينظر للبياتي نظرة مختلفة تماما عما كان ينظر منها سامي مهدي، حيث يرى ان البياتي يمثل شاعر الراية التي تميل نحو الايديولوجيا وان شعره يمس الأشياء مساً ظاهريا بدون عمق،وشاعر الراية هو بالضبط لدى فوزي كريم بالشاعر الشعبي او ما يسمى (المهوال) الذي يحمل بيرق العشيرة ويحمسها على الدبكات وربما يدعوها للقتال وظهر هذا الأمر في مواضع عديدة أوردها "فوزي كريم" في كتابه، ولسنا هنا بصدد هذا الموضوع، إنما بصدد السنوات التي مرَّت على رحيل السياب على سبيل المثال، ولكنَّها أبقته مضيئاً، فما هي الوصفة التي استخدمها "السياب" في كتابة شعره، لكي يبقى مشعَّاً وخالداً ومتداولاً؟
يقول البعض إن ذلك الأهتمام جاء بسبب التعاطف الذي حصل بعد وفاة السياب والمرض الذي مر به، والموت المبكر، كل ذلك صنع جواً عاماً ألهب مشاعر الناس والنقاد في أنْ يتعاطفوا مع السياب، ولكن هذا الكلام مردود تماماً، فمن الممكن أنْ يتعاطف مجايلوه، أو القريبون منه، زمنياً ومكانياً، في أنْ يكتبوا عن شعره تعاطفاً مع مرضه، وفقره، وموته، ولكن كيف يمكن أنْ يبقى هذا التعاطف بعد أكثر من خمسين سنة، وكل الشهود ماتوا، ولم يبق إلَّا شعر السياب عارياً أمام أجيالٍ قرأتْ وجربتْ أنواع الكتابات، ومناطق التجريب، لتعود في النهاية إلى النبع الذي حفره السياب، فما هو هذا السحر؟
يرى البعض قدرة "السياب" اللغوية ومكنته العالية من التراث الأدبي، فيما يرى البعض الآخر قدرته التصويرية، ومهارته في صناعة الصورة الشعرية، فيما يرى آخرون قدرة السياب على استدعاء الإسطورة والميثولوجيا بوصفه أول من استدعاهن، حتى وإنْ كان بشكل بدائي، والبعض الآخر ينظر لتحولاته السياسية فمرةً شيوعي، ومرةً قومي وأخرى اسلامي ربما، والبعض تحدَّث عن مهارته في الأوزان وتطويعها، والموضوعات وجدتها، ووووو وهناك الكثير من الزوايا التي رصدها النقاد في عظمة شعر السياب.
ولكن أعتقد إنَّ ما يخلد الشعراء هو حجم النبوءة في قصائدهم، وليس طاقة الجمال التصويري أو اللغوي وحدهما، فالشعر الذي يحمل رؤيا تخرق الزمان، وتعبره هو شعر خالد بالنتيجة، ذلك أنَّه يستطيع أنْ يتكيَّف مع أجيال قادمة، وهذا ما دأب عليه شعر "السيَّاب" في (انشودة المطر وفي غريب على الخليج وفي المومس العمياء وفي الأسلحة والأطفال وفي مدينة بلا مطر وفي أغنية في شهر آب وفي عشرات النصوص) فمثلا يقول في مدينة بلا مطر(وسار صغار بابل يحملون سلال صبارِ/ وفاكهةً من الفخَّارِ قرباناً لعشتارِ/ ويشعل خاطف البرقِ/ بظلٍ من ظلال الماء والخضراء والنارِ/ وجوههم المدورة الصغيرة وهي تستسقي/ ورفَّ كأنَّ ألفَ فراشةٍ رفّتْ على الأفقِ/ نشيدهم الصغير/ قبور أخوتنا تنادينا/ وتبحث عنك أيدينا/ ..... ثم يختمها... ولكنْ خفقة الأقدام والأيدي / وكركرةٌ وآهُ صغيرةٌ قبضتْ بيمناها/ على قمرٍ يرفرف كالفراشة، أو على نجمة/ على هبةٍ من الغيم / على رعشات ماءٍ قُطّرتْ همستْ بها نسمة/ لنعلم إنَّ بابل سوف تغسل من خطاياها) إنَّ طاقة الرؤية التي تكتنف معظم نصوص "السيَّاب" وبالأخص تجاربه المتأخرة، هي التي تمنح طاقة الخلود لتلك النصوص، ذلك إن جغرافية التلقي تبقى حدودها مفتوحة إزاء هكذا نصوص، لا تُحدُّ بزمانٍ ولا بمكان، فمثلاً في انشودة المطر يقول :(أصيح بالخليج يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى/ فيرجع الصدى/ كأنَّه النشج/ يا خليج/ يا واهب المحار والردى/ أكاد أسمع العراق يذخر الرعود/ ويخزن البروق في السهول والجبال / حتى إذا ما فضَّ ختمها الرجال/ لم تترك الرياح من ثمود/ في الواد من أثر/ أكاد أسمع النخيل يشرب المطر/ وأسمع القرى تئن والمهاجرين / يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع / عواصف الخليج والرعود منشدين/ مطر / مطر / مطر) فالطاقة التي حمَّلها السيابُ لمفردة (لنعلم إنَّ بابل في مدينة بلا مطر) و(أكاد أسمع النخيل في أنشودة المطر) هي طاقة الرؤيا العابرة للزمن، الذي كان يعيشه السياب، لذلك هي صالحة وطازجة في عصرنا هذا، كما إنَّها ستبقى محمَّلةً بهذه الحمولة الاستشرافية، لأنها صادرة من وعيٍ استشرافيٍ غير مؤمن بمحدودية الزمان والمكان.
وقد نجد مثل هذه الرؤية متجسدة في شعر بلند الحيدري حيث يقول في اعترافات بعد منتصف الليل
الساعة جازت منتصف الليل بساعاتوانا استرجع صوتاًيتململ ما بين الصحووبين الوقت الضائع من زمن فاتمهزلة انا .... متنالكنا .... ما زلنانتحرك أحياءً في صحراء الأموات
حيث تتضح الرؤية المستشرفة في هذا النص، اذ لا يرتبط بزمنه وبمكانه، فهو نص ينفتح على المستقبل وذلك ان كل جيل في كل مكان من الممكن أن يتفاعل مع هذه القصيدة بوصفه منتمياً لها ومرتبطاً ارتباطاً عضويا بدلالة النص، فهو نص منفتح على المستقبل وغير مرتبط بالوقت الحالي
أو ما كتبه عبد الوهاب البياتي في ديوانه ( بستان عائشة) فمثلا في قصيدة الينابيع سأموت حباً تحت خيمتها
أعود الى الطفولةراعياً غنم القبيلةمثل هارون الرشيدملكاً وسلطاناًعلى أسراب مملكة القطاوقبائل الأمطار في كل الفصولذهبي ينابيع الحياةوثروتي قلق الوجود
أو قصيدته المهداة الى بورخس
أعمى لكنك تبصر في عين الكلماتتتقرى باللمس المراةورفوف الكتب الغرقى بالنورونار اللوحاتتبصر ما خلف البابووراء قناع الاسطورةمدناً تحت الشمس تموت
وهنا أتذكر قبل أكثر من عام استضفنا في اتحاد الأدباء في العراق، الشاعر اللبناني "محمد علي شمس الدين" وقد تكفلتُ بتقديمه في تلك الأمسية، بما يليق به، ومن ثم دعوتُه إلى المنصَّة ليقرأ شعراً، ولكنَّه تحدَّث في البداية عن أول مرة يأتي الى العراق، وكان ذلك في عام 1971 في المربد، وفي البصرة تحديدا، يقول شمس الدين ذهبتُ إلى البصرة وفي رأسي شيئان فقط، أنْ أرى نهر بويب العظيم، وشبَّاك وفيقة، يقول بعد أنْ وصلنا البصرة ذهبنا بعد أيام لقضاء أبي الخصيب، ومن ثم لجيكور، لرؤية النهر العظيم بويب، وحين وصلنا رأيت شبَّاك وفيقة عبارة عن ثقبٍ في جدار، أمَّا نهر بويب العظيم، فوجدتُه خيطاً ناشفاً من الماء بين النخيل، عندها أدركت إنَّ الأنهار يبتكرها الشعراء، وإنَّ المدن يصنعها الخيال.